عبد الوهاب بن علي السبكي

233

طبقات الشافعية الكبرى

ومع ذلك فتكتب ما ذكرته في الفتيا وما ذكره الغير وتبعث به إلى بلاد الإسلام ليكتب فيها كل من يجب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعري يستهين بالمصحف ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر وانفسخ نكاحه وصار ماله فيئا للمسلمين ويضرب عنقه ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين بل يترك بالقاع طعمة للسباع ومذهبنا أن كلام الله سبحانه قديم أزلي قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق كما لا يشبه ذاته ذات الخلق ولا يتصور في شيء من صفاته أن تفارق ذاته إذ لو فارقته لصار ناقصا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة وصفة الله القديمة ليست بمداد للكاتبين ولا ألفاظ اللافظين ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين وخرج عن عقائد المسلمين بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي « وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون » وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن فإن الله سبحانه أمر العلماء بذلك وأمرهم ببيان ما علموه ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس فأصول الدين ليس فيها مذاهب فإن الأصل واحد والخلاف في الفروع ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده وبعد ذلك